القاضي عبد الجبار الهمذاني

94

المغني في أبواب التوحيد والعدل

قيل له : إن التكليف متى تقدّم كان وجها لوجوبه « 1 » ، ولعلمه بوجوبه « 2 » يختار ذلك لا لأجل ذلك الحادث . فإن قال : أفليس لا يختار الإثابة والمعاقبة إلا متى حدث من المكلف الطاعة والمعصية ؟ قيل له : نعم ، لكنه تعالى يفعل الثواب لوجوبه ، وإن كان لا يجب إلا بعد تقدّم ما ذكرته ، والعقاب يفعله لأنه يستحق وإن كان لا يستحق إلا بعد المعصية . فلا يحصل لشيء من الحوادث تأثير في اختياره للفعل على وجه لولاه كان لا يختاره وإن كان فيه ما يؤثر في حكم الفعل الّذي يختاره ؛ فينتقل من قبح إلى حسن ، أو من حسن إلى وجوب إلى ما شاكل كل ذلك . فإن قال : فيجب أن لا تصح عليه الدواعي جملة ، كما قلتم إنه لا يصح عليه اللطف . قيل له : إن أردت بالدواعي ما يدعو إلى المنافع والمضار ، فذلك لا يجوز عليه تعالى . وإن أردت بها ماله يفعل الفاعل منا الفعل مما هو عليه من المعرفة ، فذلك غير / ممتنع فيه تعالى . لأن أحدنا قد يدعوه ( « 3 » ) إلى معرفته بأن الفعل إحسان ومنفعة . وكذلك حاله جل وعز . وقد يفعل أحدنا الواجب لوجوبه في عقله ، وقد لا يفعل القبيح لقبحه إذا كان عالما بذلك من حاله وبأنه غنى عنه ، فكذلك هو تعالى . فالمعتبر هو بالمعاني لا بالعبارات ؛ لأن قولنا فيما ذكرناه إنه دواع كالمجاز وإن غلب التعارف فيه ؛ لأن الأصل فيه أن يدعو أحدنا غيره إلى الفعل بالقول الّذي هو الدعاء ، وتجوّز ذلك فيما ذكرناه ، وغلب عرف الاستعمال فيه .

--> ( 1 ) في الأصل : « لوجوبها » . ( 2 ) في الأصل : « بوجوبها » . ( 3 ) مطموس في الأصل .